• الخميس, 13 أغسطس 2020
مذكرات مهاجر مجهول (4)
الاثنين 13 يوليو 2020 08:41 ص علاء سحلول

بقلم :د.أشرف يعقوب 

في طفولتي في مصر كنت فاكر أني ابيض اللون، وفعلًا في إيطاليا السيدة الطيبة التي كنت أعيش معها في شقتها قرب ميلانو ( كان عمرها ٦٩ سنة آنذاك و هي أم صديقي ادواردو حتى لا أفهم خطأ) كانت تقول لي "أنت مصري بس أبيض". ووالدي حقيقة كان أبيض البشرة نظرًا لأصله الشركسي، ومع ذلك قال لي يومًا لا تذهب إلى بلاد أوروبا أوأمريكا لأنهم عنصريون.لكن مع الأيام تحقق لي أن لوني يختلف عن لون أبي، فلوني "قمحي" مثل أمي رحمها الله.

وفي إيطاليا كان معظم الناس يظنون أنني من جنوب إيطاليا ، ولوني عندهم كان "زيتوني" زي معظم أهل جنوب إيطاليا.لكن في بريطانيا تغير لوني مرة ، فأصبحت عندهم بني اللون. وعندما أغضب أصبح أحمر اللون، و عندما أمرض أصبح أصفر اللون. وعندما أصيف علي شاطئ البحر أصبح أسود اللون. 

وهكذا، وأنا في الحقيقة لا اعرف بدقة ماذا هو لوني الحقيقي. طبعًا نحن في مصر لا تهمنا كثيرًا حكاية اللون هذه، ولكن في بلاد أخري تأخذ أبعادا مختلف و كبيرة و أحيانًا مأسوية. 

وقال لي أحد الأصدقاء الإيطاليين أنه لا يعرف ما هو لوني على التحديد وقال إنه يرجح ان لوني "بوردو" يعني أحمر غامق. وأخرى قالت لي أن لوني "رملي". 

وقال لي زميلي طبيب القلب الإيطالي الجنوبي ، وهو أغمق مني في الحقيقة ، إنه لا يعرف ما هي سلالتي رغم أن تقاطيعي قوقازية؟وقالت لي خطيبة قديمة أنه من حظي كأجنبي في إيطاليا أنني أشبه الطلاينة ولذلك فلا أتعرض للاضطهاد العشوائي. وقالت لي نفس الكلام زوجة صديق مصري، نوبي الأصل، و قالت إن زوجها يتعرض للسخرية والتمييز العنصري بسبب لونه الأسود. وقالت لي سائحة أمريكية في روما أنها كانت متاكدة أني إيطالي وتعجبت من كوني مصري. ونفس الكلام سمعته من سائحة صربية في أثينا عاصمة اليونان. ولكن في هولندا فتاة روسية عرفت أني مصري رغم التحدث بالإنجليزية وقالت أني أتكلم بلكنة خطيبها المصري في أمستردام. وفي نيروبي في كينيا ظن سائق التاكسي أني باكستاني.

حتى في مصر قال لي أحد مستخدمي القرية السياحية التي كنت أقيم بها في مرسى علم أنه كان فاكر أني إيطالي لأنه كان يعرض علي جريدة الكورييري ديللا سيرا الإيطالية فطلبت منه بالعربي ، وسط دهشته، أن يعطيني جريدة المصري اليوم.

وحكي لي صديقي مجدي أنه اضطر مرة للعبور بمطار جوهانسبرج في جنوب أفريقيا لظروف الطيران. وهناك وجد طابورين واحد للبيض وواحد للسود والملونين. فقال في نفسه سأقف في طابور الملونين رغم إنه أبيض البشرة، ولكن الواقفون في هذا الطابور زجروه. فذهب لطابور البيض فطردوه. فلجأ لشرطي فسأله الشرطي "أين ولدت؟" فقال "في مصر" فأخذه لطابور الملونين وأمرهم بعدم زجره مرة أخرى. وهذه معضلة يقابلها المصريون في الخارج، فنحن شعب مختلط، ولكن في بلاد أوروبا وأمريكا الشمالية نحن لديهم لسنا من البيض حتى لو كنا أبيض منهم. 

الحقيقة أن ألوان البشر كثيرة جدًا وليست فقط أسود وأبيض وأصفر كما هو مسلم به. وخاصة في القارة الهندية فألوان الهنود تتراوح من الأسود الفحمي في الجنوب، إلى الرصاصي الكالح، إلى الرصاصي المخضر، إلى البني وإلى البيج بل والأبيض في أهل شمال باكستان. حتى في القارة الأفريقية الألوان تتراوح ما بين الأسود الفاحم ، إلى البني الغامق في الصومال، إلى البني الفاتح في شمال السودان إلى القمحي في مصر والزيتوني الغامق في المغرب الأمازيغي. وفي أوروبا هناك الأبيض المصفر الخاص بشعوب أوروبا الشرقية والروس ، والأبيض الوردي ( الخنازيري كما يقال هنا) في غرب أوربا الى الأبيض الناصع في شمال أوربا، إلي الأبيض الزيتوني على سواحل البحر المتوسط. 

وفي الحقيقة التقاطيع اهم من اللون في تحديد السلالة. وخلاصة الموضوع آن اللون ليس له أهمية في فسيولوجية الإنسان وأن الناس تشترك في ٩٩٪؜ من اللون، و لا يوجد اي دليل علمي على تفوق سلالة من البشر على اخري، كلنا نفس الكائن "هومو سابينس"، خرجنا من أفريقيا وتوزعنا في أنحاء المعمورة و تغيرت تقاطيعنا و ألواننا بتأثير البيئة المحيطة. والأصل فينا هو اللون الأسود والإنسان الاول الذي وجدوا عظامه في إنجلترا أثبتت التحاليل الدقيقة أنه كان أسود اللون.

هذا اللون الأسود تغير للأبيض في أطراف الارض نتيجة لزاوية أشعة الشمس المنحرفة. فأهل خط الاستواء تتعامد عليهم الشمس و لذلك فهم سمر، و أهل السويد تطل عليهم الشمس بانحراف شديد فلم يعد يلزمهم الملانين لحمايتهم من أشعتها. والملانين ينتشر تحت الجلد ولونه اسود. والعرق المغولي أصحابه قضوا آلاف السنين تحت تقلب حراري يومي مخيف من حر شديد إلى برد شديد ، و كذلك إلى رياح مستمرة في سهول مترامية الأطراف مما جعل جلودهم سميكة (و من هنا لونهم الأصفر) وعيونهم المنحرفة.  

عمومًا أنا لم أتعرض لأي موقف أو سخافة تتعلق بلوني أو بكوني أجنبي في أي مكان في العالم، ربما أيضًا لوضعي الاجتماعي كطبيب. 

الأرض

هكذا تجري الامور

تلف الارض و تدور

و تدور معها النظرات 

نبتت في قلبي الغابات

و سقطت فيه النجمات

بطوال ليال و دهور

هكذا تجري الامور

تلف الارض وتدور

وتدور معها الخطوات

إندمجت في جلدي القارات

ورسمت فيه الوشمات

بخور تتصاعد وعطور

هكذا تجري الأمور

تلف الأرض وتدور

و تدور معها الأصوات

رنت في أذني الدقات 

رقصات تتلو صلوات

أنغام أماكن وعصور

هكذا تجري الأمور

تلف الأرض وتدور

وتدور معها النبؤات

تظهر في ذهني الرؤيات 

أتذوق كل الخبرات

و يسافر عقلي المسحور

هكذا تجري الامور

تلف الأرض وتدور

وتدور 

وتدور

وتدور.........

وصدق رسول الله صلى الله عليه و سلم حين قال"لا فضل لعربي على أعجمي و لا لأبيض على آسود إلا بالتقوى". 

اما ألوان العيون فلها قصة اخرى، فالى المرات القادمة.


اترك تعليقك

Top