• الثلاثاء, 22 سبتمبر 2020
المياه ومشكلة الأمن القومي المصري
الثلاثاء 15 سبتمبر 2020 06:12 م علاء سحلول

بقلم : د.ماهر جبر 
منذ فجر التاريخ فطن المصري القديم الى أهمية النيل وعظمته، ونجد تأصيلاً لذلك فيما تركوه لنا من آثار سواء على جدران المعابد أوالمقابر، فعندما كان يغيض النهر ويقل ماؤه يأمر الملك جنوده على الفور أن يتأهبوا بكامل عدتهم وعتادهم ليذهبوا ويكتشفوا سبب ذلك، ولا يعودون إلا بعد جريانه وعودة منسوبه الى ما كان عليه، ونهر النيل من أطول الأنهار على سطح الكرة الأرضية، وله رافدان هما النيل الأبيض والنيل والأزرق، حيث أنه ينبع من هضبة الحبشة في أثيوبيا ويتجه من الجنوب الى الشمال ليصب في البحر المتوسط ماراً بمصر.

لذا أدرك المصريين القدماء حاجتهم الى النيل فوهبوه أجمل بناتهم ليستمر تدفقه بالخير والأمان، كما أنهم قدسوه وإعتبروه إلاه الخصب والنماء، فلم يلوثوه، وبلغ تقديسهم له الى حد إعتقادهم أن الميت عندما يقف للحساب يقسم أمام الآلهة أنه لم يلوث النيل وإنما حافظ عليه، بل إن ما جاء في كتاب الموتى أكد على أن المتوفي كان يعلن أنه بريء من أشياء كثيرة من بينها أنه لم يلوث النيل، وإعتبر أجدادنا أن الشخص يحمل الجنسية المصرية فقط مع أول شربة من ماء النيل، أيضاً إعتنق الفرعون عقيدة مفادها أن حدود مصر ممتدة وشاملة لكل البلاد التي يشرب سكانها من ماؤه.

لذا ارتبط النيل بصراعات كثيرة بين دولة المنبع (أثيوبيا)، ودولة المصب (مصر)، تحَكَم في هذه الصراعات وضع مصر العسكري والإقتصادي، وتواجدها في القرن الإفريقي، فعندما كانت لها اليد الطولى هناك، لم تطل علينا هذه الصراعات برأسها، بينما برزت بقوة لدرجة تهديد مصر بتقليص حصتها من الماء عندما إنحسر دورها وغابت كليةً عن القارة السمراء تاركة هذه العلاقات الضاربة في القدم في مهب الريح .

وتاريخ العلاقات الدبلوماسية على المستوى الرسمي بين البلدين يزيد على ثمانين عاماً، وإن كانت مصر لها تواجد كبير في هذه المنطقة قبل ذلك بكثير منذ أيام محمد علي باشا، وحفيده الخديوي إسماعيل الذي كون إمبراطورية إمتدت حتى  مديرية الإستواء، لولا وقوف دول أوروبا ضده، بينما زاد تواجد مصر (جمال عبد الناصر) في إفريقيا عامةً، حيث ساعدت حركة تحرير إريتريا في الإستقلال عن أثيوبيا، نظراً لقيام مصر في هذه الفترة بتأييد جميع حركات التحرر الوطني في العالم كله، وإستمرت العلاقات هكذا في عهد الإمبراطور هيلا سلاسي.

إلا أن بداية توتر هذه العلاقات تحديداً ظهر على السطح منذ أيام السادات، حيث ساندت الخرطوم حركة تحرير إريتريا، وساندت أثيوبيا حركة تحرير جنوب السودان، بينما إتخذ السادات موقفاً مغايراً لعبد الناصر، فأعلن وقوفه مع السودان مما أدى لتوتر العلاقات بين البلدين، إلا أن هذا التوتر بلغ مداه ليصل الى ملف مياه النيل وذلك بعد إعلان السادات أنه سوف يقوم بتوصيل مياه النيل الى سيناء لزراعة مساحة كبيرة من أراضيها، وأنه سيبني بئر زمزم لإسرائيل من مياه النيل، فيما إعتبرته أثيوبيا في حينها تهديداً لمصالحها،  لذا إستخدم الرئيس الإثيوبي مانجستو هيلا ماريام لهجة معادية وهدد بتحويل مجرى النهر، وقام بكسر زجاجة مملوءة بالدماء أمام البرلمان، قائلاً أن مصر ستلقى نفس المصير حال تنفيذها ما قاله السادات، مما إعتبرته مصر تعدياً لكل الخطوط الحمراء، وتهديداً لها في أهم قضية تمس الأمن القومي المصري.

غير أن كل ما ذكر عن محاولة أثيوبيا بناء السد في عهد السادات، ثم قيام الأخير بضربه بعد لجوئه للأمم المتحدة وإنكارها وجود السد، هو قولاً عاري تماماً عن الصحة، ذلك أن فكرة بناء السد بدأت عام 1992م في عهد الرئيس مبارك، حينما طلبت أثيوبيا قرض من بنك التنمية الأفريقي لكنه رفض لإعتراض مصر آنذاك .
وفي عهد الرئيس مبارك بدأت العلاقات في التحسن على كل المستويات، لكنها ما لبثت أن عادت أسوأ من ذي قبل بعد تعرضه لمحاولة الإغتيال هناك عام 1995م، لينهي دور مصر هناك تاركاً الساحة خاوية لأعدائها من كل مكان، ومختزلاً لمصر كلها في شخصه.

يقول روبير اسكندر سفير مصر السابق في اثيوبيا إن أهل الحبشة لديهم قناعة غريبة بأن العرب لديهم بترول يبيعونه وأنهم لديهم ماء، فلماذا لا يبيعونه ؟، وأنهم يشكون كثيراً من التحركات المصرية المستمرة ويظنون أن مصر قد تغزو في أي وقت من الأوقات بحيرة تانا المصدر الأساسي لمياة النيل التي تصل مصر، حيث تحصل مصر على 84% من مياه النيل منها،  لذا كانوا لا يسمحون لأي مصري بزيارة البحيرة التي تعد منبع النيل الأزرق، ويؤكد أن أثيوبيا لا تستطيع قطع المياة عن مصر لأن الأراضي الأثيوبية ستغرق تماماً وكذلك أغلب الأراضي السودانية.
كذلك توترت العلاقات أيام حرب أوغادين بين أثيوبيا والصومال، لأن مصر أخذت صف الصومال، وان كان التوتر قد زال بعد ذلك، لكن الأمور لم تعد كما كانت من قبل، فهناك هاجس على الدوام يقض مضجع الأثيوبيين منذ الخديوي اسماعيل بأن مصر تحاول غزوهم والسيطرة عليهم.

على كل الأحوال فإن الحل الأمثل في رأيي هو تفعيل وجود إدارة مشتركة للسد بعد أن أصبح واقعاً لا محالة، فيشارك في إدارته مجموعة من الخبراء المصريين تحافظ على مصالح مصر دون إضرار بالطرف الآخر، وإلا فإن مصر أمامها أن تلجأ الى محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا كوسيلة تحكيم لهذا الخلاف، أو الى مجلس الأمن الذي وفي الغالب سيوصي بالإدارة المشتركة للسد كما قلنا .


اترك تعليقك

Top