• الاثنين, 13 يوليو 2020
مذكرات مهاجر مجهول 3
الأحد 28 يونيو 2020 01:37 م

د.أشرف يعقوب

لم أكن أنوي الهجرة لأني قرأت قصة ألف ليلة وليلة، التي ذكرتها سابقا،  في طفولتي. كنت اعتبر أن الهجرة تعني هي حياة غير مستقرة حتى انتهائها. 
و رغم أن كثير من أصدقائي في المرحلة الجامعية كانوا يخططون للهجرة من أول سنة - معظمهم لأمريكا والبعض لبريطانيا فأنا لم افكر فيها أبداً. اذكر منهم محمد الذي أدى امتحان المعادلة الامريكية بعد أسبوع واحد من تخرجه، و الآن اصبح من كبار جراحي الجراحات التكميلية، كما كان يريد، في امريكا.
و لكني هاجرت و كأنه شئ مقدر علي سابقا. 
كنت رجعت من إيطاليا بعد اجازة ثلاثة أسابيع لزيارة خطيبتي الإيطالية. عرفتها في المستشفى الايطالي و تواعدنا بالزواج في مدة الثلاث سنوات التي قضتها في مصر. لم ترد الحياة معي في مصر و رجعت لبلادها. 
قلت لها أني لا استطيع الذهاب لإيطاليا تاركا عملي و دراستي و اهلي و بلدي، حيث كانت حياتي المهنية و المادية تتقدم بخطوات سريعة. كان مستقبلي مضمون فلماذا أغامر  بالعيش في بلد آخر حيث لا اعرف احدا. و اللي تعرفه احسن من اللي ما تعرفوش! 
و هكذا ودعتها على محطة قطار فينيسيا ، و هي تبكي، و برغم وعودي بلقاء آخر كنت اكاد اجزم بأنها المرة الأخيرة التي أراها فيها. 
و سافرت من إيطاليا على طائرة بلغارية الى صوفيا عاصمة بلغاريا التي كانت مازالت شيوعية في هذا الوقت. كان علينا البقاء ليلة فيها ثم نأخذ الطائرة الى القاهرة. و لكنا بقينا ثلاث ليالي لان طائرة الطيران البلغاري آن ذاك كانت قديمة و حالتها تعبانة و كانت في التصليح.   وكان الفندق الذي جعلونا نقيم فيه ملئ ببنات الهوى.  بنات جامعيات و ستات بيوت اجبرهن فقر الشيوعية على بيع اجسادهن. كانت رفوف  محلات صوفيا خاليةمن البضائع الا من بضع زجاجات الخل.  الشيوعية هي ابشع أيدولوجية عرفها الإنسان.  
كان هذا في اوخر يونيو ١٩٩٠، و اندمجت بعدها في التحضير لامتحان و رسالة الماجيستير في أمراض الباطنية و القلب. 
ولكن بعدها بشهر يشاء الله ان تقدم الحكومة الايطالية ٦ بعثات لأطباء مصريين لأخذ الدكتوراه في إيطاليا لمدة ٥ سنوات. و اختارتني السفارة الايطالي، مع صديقي أخصائي الأطفال سمير جابر، للذهاب.
شعرت ساعتها ان العناية الإلهية تشاء ان اذهب لايطاليا، و كلمت خطيبتي الايطالية، و التي تزوجتها بعد شهور قليلة من ذلك، فأحسست بانها تطير من الفرح، و رغم ذلك فقد كنت متوترا و مترددا في قبول هذه البعثة. 
و لكن كل الاستعدادات للسفر اكتملت بسهولة و لم افعل مجهودا كبيرا في التحضير للسفر. و علمت انه سيكون لي مرتب شهري معقول جدا في وقتها في إيطاليا. 
لم يعد عندي حجة أمام خطيبتي الايطالية سلفانا، و التي أصبحت زوجتي و انجبت منها بنتي سارة. 

لم يكن أبى رحمه الله سعيدا بهذا الزواج، فقد قال لي ستتعب، ان لهم عادات و تقاليد و دين يختلف عنا. 
وصلت في منتصف ديسمبر ١٩٩٠ لميلانو الباردة المغطاة بالثلوج. كانت سلفانا تنتظرني في المطار و هي في غاية السعادة ، و ركبنا القطار المتجه لمدينتها ترفيزو، بالقرب من فينيسيا و الذي أخذ حوالي ٤ ساعاتً في للوصول لها. 
و في القطار شعرت بالحر لان القطار كان مدفئا بقوة، فبدأت اخلع، بعد معطفي، ثلاث طبقات من البلوفرات الصوفية ، وسط ابتسامات الحاضرين في صالون القطار. قلت لهم قالت لي ان درجة الحرارة ٥ تحت الصفر فاستعديت. عموما شعرت بالارتياح لان رفاق القطار كانوا في غاية اللطف و الاحترام معي، حتى ان فتاة قالت لسلفانا "حافظي عليه جيدا فهو مكسب لك". 
و كان في رنة كلامها شئ غير مريح، و لم ادري ساعتها لماذا قالت انني سوف أكون مكسبا لخطيبتي، فهل كان هناك شك في هذا؟ 
نعم كان هناك شك كثير، شك في سلامة الزواج من اجنبي، عربي، و مسلم. كان الرأي العام الايطالي وقتها ملئ بالخوف بل بالرعب من المسلمين و من العرب منهم بالذات.  
احسست ان الإيطاليين يشفقون على سلفانا لانها تزوجت من عربي مسلم. مسكينة من جعلها تحب و تتزوج من ارهابي محتمل، عنيف غير متحضر، فوق انه كافر و مثواه الجحيم. 
و هذا ما دفعني الى التفكير في الدين. 
و بدأت اسأل نفسي لماذا يجب ان تدخل حماتي "ديما" النار و هي التي تعمل كالنحلة من الخامسة صباحا و حتى العاشرة مساءا في مزرعتها، و ترع عائلتها بعد موت زوجها بكل إخلاص، و تساعد القاصي و الداني بكامل قدراتها؟ كانت كريمة، عطوفة، خيرة و لطيفة المعشر، و استقبلتني احسن استقبال.
لماذا يجب ان يدخل الدكتور "زانلونجو" النار و هو الذي يدور كالرحاية على قدميه طوال النهار في المستشفى لخدمة الناس و لم يخرج أبداً من بلدته الصغيرة. لماذا يجب ان تدخل راهبات المستشفى النار و هن قد تخلين عن الحياة الدنيا و يخدمون الناس جميعا بدون مقابل. لماذا يجب ان يدخل هؤلاء النار لانهم مسيحيون و انا الجنة لأني مسلم. كيف يستقيم هذا الفكر بطريقة منطقية. 
و بعد سنين من التفكير العميق و البحث ادركت ان الأديان على اختلافها ليست الا سفن متنوعة الأشكال و الأحجام ، تأخذ مسارات مختلفة ، و لكنها تصل جميعا في النهاية لميناء واحد هو ميناء الخالق الواحد العظيم. الله واحد في جميع الأديان. الله، على ما يبدو لي، يحب ان يعبد في صور مختلفة و بطرق عديدة و بشعائر متنوعة. 
 و يحضرني هنا ما قاله الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي:
قد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صار قلبي قابلا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أني توجهت ركائبه
فالحب ديني وإيماني


اترك تعليقك

Advertise
Top